1 / 21
مقدمة مدير دار الحديث الحسنية — الدكتور محمد فاروق النبهان
بسم الله الرحمن الرحيم
الدكتور محمد فاروق النبهان مدير دار الحديث الحسنية مقدمة
حظيت الدراسات المتعلقة بالسيرة النبوية بما يليق بأهميتها ومكانتها كمادة تاريخية أصيلة تشكل الاطار العام للشخصية الاسلامية: في أبعادها الانسانية وفي انسجامها الفطري مع المفاهيم الدينية التي تقوم عليها العقيدة الاسلامية..
والسيرة النبوية هي محور حركة المسلم ونشاطه؛ وهي قاعدة أساسية تمثل السلوكية الاسلامية في اسمى مظاهرهاء عندما يعكف المسلم على دراسة السيرة النبوية فإنما يبحث عن القيم الإسلامية الأصيلة» من خلال أحداث ووقائع ومواقف في عصر يمثل عصر التكوين الحقيقي لمعالم الشخصية الاسلامية..
إن السيرة ليست مجرد رواية تاريخية» ولا تخضع لنفس المعايير التي تخضع له الرواية التاريخية» فرواة السيرة ليسوا مجرد رواة لوقائع تاريخية: وإنما هم حملة أمانة لا يفرطون فيما أَؤْتمنوا عليه؛ فالسيرة تجسد القيم الاسلامية» وهي روايات مقدسة: لا تخضع لمعايير النقد العقلي: لأنها مرتبطة بالوحي، لصيقة بالقرآن الكريم ممتدة في رحاب السنة المطهرة: تمثل عصر النبوة أصدق تمثيل؛ وتعبر عن تلك الفترة التاريخية من تاريخ الاسلام أدق تعبير » لا تنشئ رواية من عدم ولا تتجاوز حدود النقل الصادق» فالتجاوز مذموم وإثم صاحبه؛ ورواة السيرة ليسوا: مؤرخين محترفين» فكل مسلم يحفظ السيرة وينقل احداثها ويعلم اطفاله ما تعلمه في طفولته لكي يستقيم سلوكهم وتطمئن قلوبهم بفضيلة الاقتداء برسول الله ﷺ
من هذا المنطلق وقع الاختلاف بين منهج العلماء المسلمين ومنهج المستشرقين في دراسة السيرة،
فالمنهج الاسلامي في دراسة السيرة لا يرفض الوحيء ولا ينكر المعجزة ة ولا ينأفف من .رواية. الوقائع التي .
تؤكد نبوة محمد وتقيم الادلة والبراهين على ما خصه الله به في مراحل حياته من تكريم وتميز.
ومنهج المستشرقين في دراسة السيرة خاطيء من بدايته» لأنه يقوم على أساس التشكيك في كل ما
تعلق بالوحي والمعجزة؛ وهذه البداية تسقط أهلية المنهج لاستكشاف الحقيقة في رواية السيرة. ولهذا فان
منهج المستشرقين معرض للزلل فيما يصل إليه من نتائج؛ ولا يمكن الاطمئنان إليه.. ش
والمغرب المسلم المعتز بدينه الفخور بتراثه الغيور على قيم الاسلام موطن أصيل لدراسة السيرة النبوية» .
. كما هو موطن أصيل لدراسة الحديث الشريفء والمحدث المغربي صدوق فهما بروبه؛ ثقة فيما يصححه من الأحاديث. لا بروى الا ما ثبت لديه من الروايات» يحسن الرواية وهجيد معرفة الرجال: .
وهذه الدراسة الجادة التي يقدمها الباحث المتمكن» الأستاذ الدكتور محمد يسف عن المصنفات المغربية في السيرة النبوية تؤكد مكانة المغرب كدار للسيرة؛ ومكانة العلماء المغاربة في خدمة السيرة» وفي إغناء مكتبة. السيرة النبوية بالكتب والمصنفات النفيسة التي جعلت علم السيرة من العلوم الاسلامية الأصيلة. . 0 ْ
وترجع صلتي بالأستاذ الباحث محمد يسف إلى عام 1973 خلال زيارتي الأولى إلى المغرب» للمشاركة في الدروس الحسنية التي تلقى بحضة أمير المرّمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله. وَوجدت فيه الأخ الصادق والعالم. المخلص الغيور على الاسلام ثم توطدت صلة المودة والمحبة عندما التقينا في رحاب دار الحديث الحسنية؛ وازداد اعجابي بخصاله واستقامته» ولما أتم اعداد هذا البحث بعد أكثر من عشر سنوات من المثابرة والجهد والتنبع شاركت في اللجنة التي ناقشت هذه الأطروحة؛ وأشادث تلك اللجنة بأهمية هذه الدراسة؛ واكبرث هذا الجهد, وأندتٌ أجمل الثناء على الباحث, ومَتَحنّه درجة دكتوراه الدولة في العلوم الاسلامية بدرجة حسن جداء تقديرا له» واعترافا بجهده.
وبالرغم من أن علم السيرة بدأ في بلاد الشرق في القرون الثلاثة الأوْلى فإن العلماء المغاربة عكفوا على رواية المصنفات المشرقية في السيرة، من خلال اتصالهم بعلماء المشرق» ونقل مدوناتهم» حتى أصببحت الحركة العلمية في المغرب مواكبة للحركة العلمية في المشرق. ولم يكتف المغاربة بمجرد الرواية والنقل (إنما أخضعوا ما نقلوه لموازين نقدية أرست أسس مدرسة مغربية متميزة بخصائص من الابداع والتفوق ولم يلبث نتاج هذه المدرسة المغربية أن أخذ مكانه في المشرق. منافسا ومزاحما ما سبق أن دونته تلك المدرسة وتلقى المشارقة المصنفات المغربية بحفاوة وتقديرء وأوسعوا لهذه المصنفات مكان الصدارة في الحلقات العلمية وأصبحت متداولة» وحظيت بشهرة ما حظي بها الكتاب المشرقي» مما يؤكد أن تراث الاسلام وليد حضارة ممتدة عريضة شارك في تشييدها علماء من المشرق والمغرب» تنافسوا وتسابقوا في أن يسبوا هذا الصرح الشاهق الممتد من ثقافة الاسلام..
ولقد أحسن الباحث صنعا عندما خصص القسم الثاني من بحثه للحديث عن السيرة المغربية عند المشارقة» وأهم الكتب التي جعلها مثالا لهذا التكامل والتكافل في مجال السيرة بين المشرق والمغرب كتاب «الاستيعاب» لحافظ المغرب ابن عبد البر القرطبي المتوفى سنة 463 و «القصيدة الشقراطسية» لإبن محمد الشقراطسي المتوفى سنة 466 هـ وكتاب الشفا للقاضي عياض بن موسى السبتي المتوفي 544، وكتاب «الروض الأنف» لابن القاسم السهيلي المتوفي سنة 581 ه.
وأشاد العلماء المشارقة بالمصنفات المغربية في السيرة» واعتبروها من أمهات كتب السيرة وأبرزها مكانة, ووصف ابن الصلاح في مقدمته كتاب الاستيعاب لابن عبد البر بأنه من أجل الكتب في معرفة الصحابة» والروايات المشرقية لكتاب الشفاء للقاضي عياض كثيرة» وكان لهذا الكتاب مجالس خاصة ويعتبر هذا الكتاب من الكتب التي انتشرت في المشرق» وكان الناس يتبركون بهء وانتشر كتاب الروض الأنف انتشارا واسعا في المشرق والمغرب» وأصبح ركنا من أركان مكتبة السيرة» وأصلا من أصول هذا العلم..
ولا أعتقد أن باحثا في مصادر السيرة ومصنفاتها يمكنه أن يستغني عن هذه الدراسة الجادة الموفقة» التي رصدت بدقة وأمانة كل ما استطاعت ان تصل إليه من مصنفات مغربية في السيرة النبوية» وهذا عمل شاق يحتاج إلى جهود متواصلة» وإلى صبر وقدرة على .تحمل أعباء البحث.
ع
وإنني إذ أشيد بهذا العمل الموفق أشعر بسعادة أن أقدم هذا الكتاب باسم دار الحديث الحسنية التي رعت هذه الدراسة وشجعت الباحث على إتمامها، ثم تولت نشر هذا العمل العلمي الرصين، اعتزازا بهذا الانجاز الموفق» وتعريفا بالمصادر الأصلية للسيرة النبوية.
وأرجو من الله تعالى أن يوفق دار الحديث الحسنية لخدمة العلوم الاسلامية؛ وبالأخص منها علوم الحديث والسيرة» لكي تحقق الأمل المعقود عليهاء في خدمة السنة النبوية» التي يوليها أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله عنايته ويشجع على دراستها والاهتمام بروايتهاء سواء من خلال رعاية جلالته لدار الحديث الحسنية أو من خلال دعوة العلماء المشاركين في الدروس الحسنية إلى الالتزام بما اشتهر به
وأدعو الله تعالى ان يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه. وأن يسدد خطاناء وان يلهمنا الرشد فيما نختاره من
أعمالناء وان يجزى المخلصين من علمائنا أفضل الجزاء وأجزله» وان يتولانا ويرعانا ويكلل جهودنا بالتوفيق والتيسير .. والله من وراء القصد.
رباط الفتح : 2 ربيع الثاني 1411 22 أكتوبر 1990 الدكتور محمد فاروق النبهان
رقم الإبداع القانوني 2/243 199